الأربعاء، 26 نوفمبر، 2014

في رثاء خالتي

تستحق خالتي مرثية جيدة ...
بجسدها الْمستوي الذي كان ، بضفائرها البيضاء الطويلة الرفيعة وعينيها الحزينة الذابلة.
تتجول في الذاكرة هكذا بيديها الضخمة التي خُلقت للطبطبة على الأكتاف المتعبة والمسك بالوجوه الحبيبة وتفريغ كل شغفها الحزين بقبلات متتابعة على الخدين مع شعور بالرضا تعبر عنه بأنها "ارتوت" من تلك القبلات على خد الصغار .
خالتي لم تذهب لأي مكان أبعد من بيتها أو بيت أبيها أو بيوت أخوتها ومقامات مغمورة تزورها خلسة بعد تحريم زيارتها للتبارك مع التنبيه عليّ بعدم ذكر ذلك لخالي على الأخص.
تزوجت صغيرة وأنجبت البنين والبنات وحافظت على البيت ودبقت القرش على القرش وخاطت الفتحات بالملابس وسندت أبواب الدواليب الواقعة وعصرت الطماطم لصنع صلصة الأسبوع كما دبرت الجمعيات لشراء أرز العام وقمح العام  وكسوة الشتاء والصيف. زوجت الولد والبنت واستقبلت الأحفاد ، ربت الأحفاد وزوجت بعضهم.
اللبان كان أفيونتها وغنجها كان الكحل والحناء ، بارعة كانت في المدارة ودرء الحسد وفض النزاع بين الأضاد ودوما كان قلبها كبيراً ودمعتها تنتظر خلف أجفانها.


تستحق خالتي مرثية تحتفي بها ...
لم يكن من الجيد أن يصلني الخبر هكذا في غابة بعيدة ، خبر كهذا كان يجب استقباله وأنا جالسة كي أتلقى ثقله على ذراعي وأبكي ، الثقل وقع على الأرجح مع السير في شعاب الغابة ، ربما تحدثنا عن رحيلها وأنها أطيب قلب وأكثرالبشر هشاشة وأنها كانت مريضة وأنها ... ربما صمتنا لترتيب الذكريات أو اللحاق بها ، ثم تحدثنا في أمر أخر . وفي الليل حيث الذكرى أصفى تلاحقت صورها بضفائرها ودموعها وضحكها الحزين أيضاً.


خالتي تستحق مرثية مهيبة .
كيف أدارت هذه الحيوات في بيوت عدة وكم شكت من زوجات الابناء ؟ ها هي تخرج بهية من طقسها اليومي : الاستحمام بعد عناء اليوم بضفائرها الرفيعة ، لم تغير أبداً اتجاه تمشيط شعرها : الفرق من الوسط لعمل الضفيرتين ، ثمانون عاماً أو أكثروالمشط يتبع نفس المسارات ثم على مهل يتشابك الشعر الابيض ويرفع رويداً رويداً عند الأطراف.
لم تكن تخجل من حنانها ودموعها الحاضرة ولا من قبلاتها للصغار ، يوم زواجي عندما تماسكت أنا وأمي ثم سارعت بالهروب في أخر مرة أخرج منها من البيت ، هرعت ورائي واستوقفتني من أجل عناق وبعض بكاء وجعلتني أبكي وجعلت أمي تبكي ، بكينا جميعا بحرقة ، ومن الجيد أننا بكينا ذلك اليوم، لماذا نتماسك؟! اللعنة على التماسك !


خالتي تستحق مرثية طيبة تحفظ لها المقام ...
ربما كانت لتحب استحضار نائحات والاعتناء بكل التفاصيل من لفها بكفن أبيض "شاهق" ووضع العطور والحناء والكحل معها، ربما كان يجب وضع المشط أيضاً لتعتني بالضفائر البيضاء ، نعم فيجب الحفاظ على المقامات ، هي كانت أم ابراهيم لأن ابراهيم هو الابن الكبير ورفيق عمرها الطيب. ربما كان يجب ترك خواتمها الفضة والذهب وقرطها "دمع العين" وأساروها البسيطة التي كانت تفرح بها. هي ميتة نعم ولكن يجب الاحتفاء بها واسعادها وعدم حرمانها من الرفقة والترفق بها . ربما سبحة الحجاز كانت لتروق لها وصبغ أقدامها بالحناء السوداء "اللي من عند النبي" كما كانت تحب . ربما يجب على الجمع زيارتها كل جمعة كأنه يوم العيد مع توزيع الرحمة والنذور وقراءة القرأن وأهم شيئ البكاء والترحم عليها...
ربما علينا الحفاظ على البكاء من أجل خاطرها في الفرح كما الحزن والاستمرار في صوم الإثنين والخميس وعاشوراء ومواسم أخرى نسيتها وحمل هم الولد كما البنت ، ابن الإبن كما ابن الأخت والأخ ...

أيتها الجميلة الحزينة: تصبحين على خير *


* تصبحين على خير : ديوان شعر لعلاء خالد

ليست هناك تعليقات: